الأحد، 3 يناير 2016

جمهورية الاديغي ... بلاد الانهار والجبال والدولمينات الغامضة




مواطنو جمهورية أديغيا الجبلية الصغيرة جنوبي روسيا لا يمكن أن يوصدوا أبوابهم. "لا تستعجل، ستصل في الوقت المناسب، وإذا لم تصل بالوقت المناسب فهذا يعني أن الأمر لا يستحق هذا العناء" هذه الجملة ستسمعها كثيراً في القرى الجبلية المنتشرة في قمم الجبال.

الحصان يسير بمشقة إلى أعلى الهضبة، متجاوزا عربات الـ"واز" العالقة في الوحل وراكبي الدراجات الذين غاصوا في الطين. سائس الخيل سيرغي يرتدي قميصاً أنيقاً وصندلاً مع جوارب صوفية ويصفّر لإيقاف حصانه. ويسير شركسيان بقبعتين مجعدتين نحونا. ويومئ سيرغي لهما بمودة.

يبلغ تعداد سكان مايكوب، عاصمة أديغيا وأكبر مدنها، حوالي 167.000 نسمة.  أما باقي سكان أديغيا البالغ عددهم 283.000 نسمة فيعيشون في مراكز المقاطعات والقرى, ويعيش هنا حوالي 80 مجموعة إثنية. يعيش الأديغيون (الشراكسة)، السكان الأصليون، في القرى المعزولة بالسهول الشمالية، في حين يعيش في المناطق الجبلية مزيج من الروس والشركس والإغريق والروم والأرمن والأكراد.

ويقول سيرغي:"لا يوجد لدينا صراعات، لقد تُركت في المدن. يعيش الناس هنا في مزارع منفصلة ولا أحد يهتم بمعتقدك. يعيش في قرية تيمنوليسكايا السهلية المؤمنون القدامى. ترتدي نسائهن التنانير الطويلة، ومنديلاً على الرأس. ويضعون الصليب على الجبل ليحمي الوداي بأكمله بمن فيه من مسيحيين ومسلمين ومعمدانيين".


" غالباً ما يقترح المحليون أشياء جديدة" يقول سيرغي شوبين، رئيس دائرة السياحة في مايكوب. "إنهم يعرفون أفضل الطرق، حيث تقع القرى، أسماء التلال والأماكن الخطرة. في أواخر التسعينيات بدأ الناس بإنشاء شركات صغرى لتقديم الخدمات السياحية الرياضية وبدأت دور الضيافة بالظهور. وغالباً ما تكون هذه أعمالاً عائلية. لكن صناعة مسارات جديدة وضمان السلامة هي مهمة مستحيلة في الأعمال الصغيرة، وذلك لأسباب مادية, لذلك يتوجب على السلطات المحلية إنشاء البنية التحتية".

واستمر الحصان في سيره الشاق في مكان يحمل اسماً غريباً "لوب لينيا" (جبهة لينين)، قاطعاً الحقول الممتلئة بأنواع مختلفة من الأعشاب. وعلى ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر، أصبح الهواء صاف جدّا لرؤية النجوم. ونُصبت التلسكوبات بانتظار الليل، ليتمكن الباحثون من مراقبة درب التبانة.

يتبدل الطقس كل نصف ساعة هنا، وغطت سحب كثيفة السماء. ورغم ذلك قد يصحو الطقس بوقت آخر من هذه الليلة.


عندما تتخرب الدروب السياحية بفعل الأمطار، فإن البديل عن الحصان سيكون " GAZ-66 "، وهي شاحنة جبارة تستخدم عادة في روسيا لحمل الأفراد العسكريين وقد استخدمت في نقل البطاطا والطلاب الذين كانوا يساعدون في حصادها بالعهد السوفييتي.

تخرّج رسلان من كلية الرياضيات بجامعة مايكوب. لم يستطيع العثور على عمل في اختصاصه، لذلك قام بتأسيس واحدة من أولى وكالات السفر في خادجوخ. ويعمل في الشركة حالياً سبعة موظفين، بمن فيهم سوزانا، شقيقة رسلان التي تبلغ 14 من عمرها؛ وتقوم أم رسلان بالطبخ للسياح، أما والده فيصطحبهم بجولات في الجبال بشاحنته القوية.


"كان الأمر شاقاً في بدايته" يقول رسلان. "لم نكن نعرف القواعد. لم نكن نعرف كيف نطور الطرق ونؤمن السلامة. لكننا رأينا المطلوب، وقمنا بالعرض".

يوجد في أديغيا كثير من الأنهار الجبلية. حيث تمتلئ الأرض بالينابيع والأودية والأنهار والبحيرات. وخلال حقبة العصر الوسيط كانت أديغيا مغطاة بمحيط التيثس. لكن مع تحرك صفائح الغلاف الصخري، جف المحيط، وبقيت أديغيا غنية بالمستحاثات البحرية والصفائح القديمة. ومع حبهم الكبير للمياه، بقي الأديغيون بحارة لكن من دون بحر.

تبدو منطقة أديغيا وكأنها في عالم مواز للعالم الذي نعيش به. فقد ضرب تدفق طيني نهر بيلايا، والذي يبدو عادة صافياً كدمعة، الأمر الذي تصدر آخر الأنباء لشهر كامل. وقد اندمجت الأديان مع بعضها مكونة تنوعاً أديغياً خاصاً، قربان المسلمين مع عيد الفصح، وصلبان المؤمنين القدامى المنتصبة فوق المنحدرات الصخرية والكنائس المعمدانية المشيدة فوق المنحدرات.


لقد بدأ الظلام بالهبوط. وألقت الشمس أشعتها الأخيرة ومن ثم هبطت خلف الجبال. وامتلأ الجو بعبق التفاح والكرز. وانتصبت الخيام في بساتين التفاح حول النار. يأتي طلاب علم الآثار إلى هنا على مدار العام لدراسة الدولمينات الموجودة بكثرة على الأرض الأديغية. دولمن خادجوخ_1 يقع عند طرف البستان فوق تل صغير محاط بالأشجار. بدأ المطر بالهطول مرة أخرى، لكن عالم الآثار ورئيس منظمة عموم روسيا الجغرافية إيغور أوغاي أخذنا بجولة حول هذا الكوخ الحجري، وسط أضواء البرق، والأوراق المتساقطة وهبوب الرياح، وشرح لنا تركيبته وتسميته الغامضة مشيراً إلى كافة الروايات- من أماكن للدفن إلى دار للصلاة أو علامة على الطريق.

لقد قام بدراسة الآثار الصخرية في خادجوخ وترأس جولات في عروض خاصة بقرية كامينوموستسكي. ويوجد هنا غرفتان تحويان كل شيء اكتشفه علماء الآثار حتى الآن في مايكوب". "خوذة جندي نازي، وأخرى لجندي سوفييتي، وهذه تنتمي إلى محارب شركسي من القرن الـ17. رماح وأحذية، وزينة للشعر وعظام مسحورة، وسأعطيك مغناطيساً تذكارياً إذا استطعت معرفة ما نوع هذا الحجر، جواب خاطئ، إنه حجر الجمشت. ومع ذلك ستحصل على مغناطيس وعلى كتاب أيضا". ويستمر إيغور في إلقاء المعلومات على مستمعيه متنقلاً من مستحاثة إلى أخرى، وبين مجموعات الصخور، والحيوانات المحنطة.


."يأتي الناس من جميع أنحاء العالم لرؤية الدولمينات هنا. إن الدولمينات التي يبلغ عمرها حوالي 5 آلاف عام بحالة رائعة. نريد منتزهاً مخصصاً للآثار الصخرية، وطريقاً واحداً لجميع المعالم وتأمين البنية التحتية لجذب مزيد من الزوار والمال للقيام بمزيد من الحفريات والاستكشافات ولدعم الدولمينات الموجودة حالياً. نقوم بالاعتناء بها حالياً بمالنا الخاص، لكنه لا يكفي"

"يتأرجح سرير خشبي شركسي ويئن بالقرب من باب مفتوح. منذ قرون عديدة بدأ الشراكشة باستخدام أحزمة الأمان للأطفال. يقولون إنه يجب منح جائزة نوبل لأول حزام أمان في العالم. لقد انتهى القربان وعاد كل شيء إلى طبيعته. خودجا، شركسي غني من غوزيربل، قام ببناء مسجد، وكنيس وكنيسة أرثوذكسية بالقرب من منزله. وتتلألأ أضواء هذه المعابد متراقصة على أنغام صراصير الحقل. ويجلس خودجا على ضفة نهر بيلايا ويستهجن- لقد غادر سمك السلمون المياه الموحلة. الشيء الوحيد الذي يحلم به هي مياه صافية كدمعة تجري بالقرب من منزله".